الحكمة (28): «كالماء للشوكولاتة» لاورا إسكيبيل

الصفحة الرئيسية  /  مراجعات  /  خمسون حكمة حول العالم  /  الحكمة (28): «كالماء للشوكولاتة» لاورا إسكيبيل

أقف اليوم في محطتي الثامنة والعشرين: المكسيك، أرض الواقعية السحرية وقصص الغراميات المغرية بالحب والهيام.

تزيد لاورا إسكيبيل من السحرية الأدبية عبر مزج تجربة الغرام بالطعام، لتأتي رواية «كالماء للشوكولاتة» كمجموعة وصفات مزدوجة للعشق والأصناف المكسيكية. صدرت الطبعة العربية الأولى عن دار بلومزبري – مؤسسة قطر للنشر في الدوحة في 2014.

قسّمت الكاتبة الرواية إلى اثني عشر جزءاً تبعاً لشهور السنة. وخصصت وصفة أو أكثر لكل جزء كما يلي: فطائر عيد الميلاد، وقالب حلوى (تشابيلا)، وطيور السمان مع بتلات ورد، و(موليه) الديك الرومي بالوز والسمسم، وسجق شمالي، وعجينة لصنع الكبريت، ومرق عصعص عجل، و(تشامباندونجو)، وشوكولاتة وكعكة عيد الملوك المجوس، وأقراص (توريخاس) بالقشدة المحلاة، وفاصوليا عريضة بالفلفل على الطريقة (التيثكوكانية)، وفلفل بصلصة الجوز.

في كل جزء، تقدم لاورا إسكيبيل تفاصيل الوصفة ممتزجة بالتجارب الإنسانية والأحاسيس الغرامية. ففي صفحة الرواية الأولى يتضح هذا التشابك عبر الفقرة ذاتها التي تعرّف بها الرّاوية العليمة الشخصية الرئيسية للعمل، وهي جدّتها تيتا. تقول الرّاوية: “يجب تقطيع البصلة تقطيعاً ناعماً… السيء في البكاء عند تقطيع البصل ليس مجرد البكاء بحد ذاته، وإنما لأن المرء يبدأ أحياناً بالتقطيع، فيصيبه الولع كما يقال، ولا يعود قادراً على التوقف. لستُ أدري إن حدث لكم ذلك يوماً، أما أنا فأقول إنه حدث لي، وقد حدث مرات لا حصر لها. أمي تقول إن السبب هو أنني في حساسيتي للبصل مماثلة تماماً لجدتي تيتا.” (ص. 11) وتبعاً سيتعرف القارئ على شخصية تيتا وحكايتها عبر منظور الحفيدة.

ولدت تيتا “فوق منضدة المطبخ، وسط رائحة حساء شعيرية كانت أمها تطهيه، وروائح الزعتر والغار الكزبرة والحليب المغلي والثوم، وكذلك البصل بالطبع… لم تكن ثمة حاجة إلى تلك الضربة المعهودة… لأن تيتا كانت تبكي مسبقاً، ربما لأن النبوءة غيبها قد قررت لها أنه محظور عليها الزواج في هذه الحياة.” (ص. 12) ثم تتجلى تفاصيل هذه اللعنة عندما تكبر تيتا وتقع في غرام بدرو، وتحرّم عليها والدتها الزواج به، لأن كونها أصغر بناتها يفرض عليها تولي رعايتها حتى وفاتها. (ص. 17)

من يأسه، يقرر بيدرو أن يتزوج روساورا شقيقة تيتا حتى يتمكن من البقاء بقربها. وخلال اثنين وعشرين عاماً، يجمع القدر بين الحبيبين تحت السقف ذاته، ولكن أبعد ما يكونان عن بعضهما. سنوات تتخللها سلسلة عجيبة من المآسي وسوء الحظ وتصاريف القدر، والكثير الكثير من الواقعية السحرية.

ولعل من أجمل مشاهد الواقعية السحرية مشهد امتناع الفاصوليا عن النضج وبقائها نيئة بعد ساعات من وجودها على النار، فلم يبق أمام تيتا “عندئذ إلا محاولة تعديل مزاج الفاصوليا والغناء لها بحب… لهذا، من المناسب أن تبحث في ذاكرتها عن لحظة سعادة كبيرة، وأن تستعيد عيشها وهي تغني. أغمضت عينيها وبدأت تغني (الفالس) تقول كلماته: (إنني سعيد مذ رأيتك، مذ أعطيتك حبي وفقدت روحي…). توافدت إلى ذهنها بتسارع صور أول لقاء لها مع بيدرو. كان الدم يفور في عروقها. القلب يطلق فقاعات غليان العاطفة. وشيئاً فشيئاً راح الهيجان يتراجع مُفسحاً المجال لعذوبة غير متناهية تمكنت من تهدئة روحيهما المضطربتين. وبينما تيتا تغني، كان مرق الفاصوليا يغلي باحتدام. سمحت الفاصوليا للسائل الذي تسبح فيه بأن يتخللها وبدأت بالانتفاخ حتى كادت تتشقق. وعندما فتحت تيتا عينيها وأخرجت حبة فاصوليا لفحصها، تبين لها أن الفاصوليا قد بلغت حد النضج المناسب بالضبط.” (ص. 226-227)

أمّا بالنسبة لعنوان الرواية، فهو في الحقيقة يشير إلى ما بين الماء والشوكولاتة، إلى المكون الأهم في تحضير مشروب الشوكولاتة الساخنة: الحرارة. العامل الأهم في جميع العلاقات والتفاعلات البشرية، وهو ما وصفته الكاتبة في مواقع أخرى متعددة. فتقول في وصف أختها الأخرى خيرتروديس: “تلك المرأة بحاجة مُلحة لرجل يطفئ النار المحرقة المتولدة من أعماقها. رجلٌ بحاجة إلى الحب مثلها، رجل مثله.” (ص. 62)

إلا أن نصيب تيتا وبيدرو هو الأكبر من اللهيب. فعلى سبيل المثال، عندما التقت عيني تيتا “بيعيني بيدرو. وفي تلك اللحظة أدركت بالضبط ما لا بعد لعجينة الزلابية أن تشعر به عند ملامستها الزيت المغلي. كان حقيقياً جداً الإحساس بالحرارة التي اجتاحت جسدها كله إلى حد خشيت معه أن تبدأ فقاعات بالتقافز، مثل عجينة الزلابية، من بدنها كله – الوجه، البطن، القلب، النهدين – لم تستطع تيتا تحمل تلك النظرة، فخفضت بصرها واجتازت الصالون بسرعة.” (ص. 23-24)

ورغم محاولات تيتا وبيدرو المستميتة في إطفاء هذا اللهيب، لم يتمكنا من تجاوز مشاعرهما والالتزام بالأدوار الممنوحة لهما مسبقاً: قريبان يعيشان في المنزل ذاته. حتى تقرر تيتا التحرر من ثقل العادات والتقاليد، والاستسلام لحبها وقدرها. ويتجسد هذا التحرر في مشهد مواجهة تيتا لطيف والدتها وقولها: “أظن أنني من أنا عليه! إنسانة لها كل الحق في أن تعيش الحياة على أفضل نحو يبدو لها.” (ص. 207-208)

الحكمة من الكتاب:

كالماء للشوكولاتة، يحتاج الإنسان إلى حرارة الشغف حتى يتحمل عبثية هذه الحياة وأحكامها المستحيلة. الشغف بوصفات الطاعم البسيطة وتجارب الحياة الكبيرة والعظيمة التي تشّكل هويّاتنا وذواتنا. ولعل الأبعد من ذلك كله هو أهمية الإبقاء على الشغف الساكن في قلوبنا عند مواجهة العادات والتقاليد البالية التي تقيد الإنسان وتستبعده.

اقتباسات من الكتاب:

“الدعوة إلى المائدة وإلى الفراش تكون لمرة واحدة فقط.” (ص. 5)

“لم تكن قادرة على تفسير ما تشعر به. والمؤسف أن الثقوب السوداء في الفضاء لم تكن قد اكتُشفت بعد آنذاك، وإلا لكان من السهل جداً عليها حينئذٍ إدراك أن لديها ثقباً أسودَ في منتصف صدرها تتسرب إليه برودة غير متناهية.” (ص. 23)

“جميعنا نمتلك في داخلنا… العناصر اللازمة لإنتاج الكبريت. بل أكثر من ذلك… جميعنا نولد وفي داخلنا فسفور بمقدار علبة من ثقاب، فإننا لا نستطيع أن نشعلها وحدنا، بل نحتاج… إلى أكسجين ومساعدة شمعة قدح. وكل ما هنالك في هذه الحالة هو أنه لا بد للأكسجين من أن يتزود، على سبيل المثال، بأنفاس شخص محبوب، ويمكن لشمعة القدح أن تكون أي نوع من التغذية: موسيقى، أو مداعبة، أو كلمة، أو صوت يطلق صاعق التفجير، وهكذا يشغل أحدنا واحداً من أعواد ثقابه. فنشعر لحظة بانبهار عاطفة زخمة، وينشأ في داخلنا دفء لطيف يأخذ بالتلاشي قليلاً قليلاً مع مرور الزمن، إلى أن يأتي انفجار جديد ليعيد إحياءه. وعلى كل إنسان أن يكتشف ما هي صواعق تفجره ليتمكن من العيش، لأن الوقود الناتج عن اشتعال أحد أعواد الثقاب هو الذي يغذي الروح بالطاقة. فهذا الوقود، بكلمات أخرى، هو غذاء الروح. وإذا لم يكتشف أحدنا في الوقت المناسب ما هي صواعق تفجره الخاصة، فإن علبة أعواد الثقاب تصاب بالرطوبة ولا نتمكن عندئذ من إشعال ولو عود ثقاب واحد. وإذا حدث ذلك فإن الروح تهرب من جسدنا، وتهيم على وجهها في أعمق الظلمات محاولة بنفسها العثور، دون جدوى، على غذاء، وجاهلة أن الجسد الذي تركته أعزل، ممتلئاً بالبرد، هو وحده القادر على توفير الغذاء لها… إذا ما أدت عاطفة قوية جداً إلى اشتعال أعواد الثقاب كلها التي نحملها في داخلنا دفعة واحدة، فإنها تنتج وميضاً قوياً إلى حد يضيء معه ما هو أبعد مما يمكننا رؤيته بصورة عادية، وعندئذ يظهر أمام أعيننا نفق متألق يكشف لنا الطريق الذي نسيناه في لحظة مولدنا الذي يدعونا للعودة إلى اللقاء بأصلنا الإلهي الضائع. فالروح ترغب في الارتداد إلى المكان الذي جاءت منه وتترك الجسد خامداً.” (ص. 122-123 و ص. 252)

“يمكن لكل شيء في نهاية المطاف أن يكون حقيقة أو كذباً، والأمر يعتمد على إيمان المرء بأن الأمور حقيقية أو ليست حقيقية.” (ص. 134)

“أقترح عليك حين تقع في الحب في المرة القادمة ألا تكون جباناً!” (ص. 155)

“لقد علمتها الحياة أن الأمور ليست بالغة السهولة، وأن قلة هم الذين يتذاكون للتوصل إلى تحقيق رغباتهم على حساب أي شيء.” (ص. 174)

“راحت تفكر في كم كان طلب الأمنيات سهلاً في الطفولة. لم يكن ثمة مستحيلات آنذاك. حين يكبر المرء يعي كل ما لا يمكن له أن يتمناه لأنه محرم، آثم … غير محتشم.” (ص. 182)

“إن الحياة تصبح أكثر بهجة لو كان بإمكان أحدنا أن يحمل أينما شاء نكهات وروائح بيت الأم.” (ص. 186)

“الحقيقة لا وجود لها في الحقيقة، إنها تعتمد على وجهة نظر كل شخص.” (ص. 196)

“أظن أنني من أنا عليه! إنسانة لها كل الحق في أن تعيش الحياة على أفضل نحو يبدو لها.” (ص. 207-208)

“سوف أكسرها كلما تطلب الأمر كسرها، ما دامت هذه التقاليد اللعينة لا تقيم لي أي اعتبار.”(ص. 220)

الختام:

«كالماء للشوكولاتة» هي رواية مُتنفس في عالم تسوده الكآبة والأحكام الصارمة. هي متخيل جميل يأخذنا إلى ما وراء المفروض واللازم. إنها رواية للمتعة والشغف والغرام دائماً.

وهي من الروايات القليلة التي تمنحك لذة مطلقة حين قراءتها، متعة تأخذك إلى عالم ساحر ومتخيل من الروائح والأصوات والمشاعر.

أحدث التعليقات