الحكمة (41): «في انتظار البرابرة» لجون ماكسويل كويتزي

الصفحة الرئيسية  /  مراجعات  /  خمسون حكمة حول العالم  / الحكمة (41): «في انتظار البرابرة» لجون ماكسويل كويتزي

أقف اليوم في محطتي الواحدة والأربعين: جنوب أفريقيا.

كانت قصيدة، وتحولت إلى رواية. كانت لحظات موجزة وحوارٌ سريع، وأصبحت قصة مطولة عن صراع الذات في حضور الآخر. هكذا تحولت قصيدة «في انتظار البرابرة» لقسطنطين كفافيس المنشورة في عام 1898 إلى رواية بذات الاسم لجون ماكسويل كويتزي المنشورة في عام 1980، والتي نشرت طبعتها العربية الثانية دار ورد للنشر والتوزيع في عام 2020 في دمشق، ونقلها إلى العربية صخر الحاج حسين.

تجسد القصيدة حواراً بين مواطنين ينتظران مع الجموع في ساحة عامة. يسأل أحدهما الآخر عن مستجدات مجلس الشيوخ، والقوانين التي يسنها، وسبب استعداد الإمبراطور ولبسه التاج وجلوسه على العرش، واستعداد الشخصيات المهيبة والخطباء، فتأتي الإجابة من الطرف الثاني، بأن كل هذه المحافل تحضيرٌ لوصول البرابرة.

غير أن البرابرة لا يأتون، فتتغير وجوه الناس، وتخلو الشوارع والميادين، وتنتهي القصيدة بهذين البيتين:

والآن ماذا نفعل بدون برابرة؟

لقد كان هؤلاء نوعاً من حل.

يتجلى في القصيدة أسباب تشكيل “الآخر” وأهميته في البناء السياسي وخاصة حين انعدام الأسباب الجوهرية الأخرى لقيام الأمم، والتي من شأنها “شرعنه” النظام، إن صح التعبير.

أما الرواية، فتتعمق في تأثير هذه العقلية على رجالها الصالحين، أو من يحاولون أن يكونوا كذلك.

يتجسد بطل الرواية في شخصية القاضي، التي لا اسم لها. رجلٌ لا أهمية تذكر من وجوده سوى خدمته للإمبراطورية، وهو ما عبرّ عنه بصريح العبارة حين التعريف بنفسه في أولى صفحاته قائلاً: “أنا قاض في الريف، وموظف مسؤول في خدمة الإمبراطورية. أمضي أيامي في هذه الحدود الكسولة، أنتظر تقاعدي. أجمع الضرائب والرسوم وأدير الأراضي المشاع، وأتأكد من تجهيزات الحامية، وأشرف على الضباط الصغار، وهم الضباط الوحيدون الموجودون هنا. أراقب حركة التجارة، وأترأس جلسات المحكمة مرتين في الأسبوع. وما تبقى من الوقت أرقب شروق الشمس وغروبها. آكل وأشرب وكلي رضى، وعندما أموت آمل أن أستحق ثلاثة سطور مطبوعة في صحيفة الإمبريال. لم أطلب أكثر من حياة هادئة في أوقات هادئة.” (ص. 18)

هكذا كانت حياة القاضي هادئة وواضحة. حياة قضاها في خدمة الإمبراطورية طمعاً في نعي بسيط يليق بحياته البسيطة، ولكن قدوم الكولونيل جول قلب كافة الموازين، وفرض عليه أن يتخذ موقفاً أخلاقياً من حملات سجن وتعذيب السكان الأصليين أو “البرابرة”.

ينتقد القاضي النظرة الدونية والاستحقار الذي يمارسه مواطنو الإمبراطورية إزاء السكان الأصليين والذي لا أساس له سوى الاختلافين الثقافي والعرقي، فيقول: “إنه الاحتقار للبرابرة. الاحتقار الذي يبديه أحقر سائس خيل، ومزارع فلاح. حتى أنني بصفتي قاضياً كان علي الكفاح من أجل ذلك عشرين عاماً. كيف يمكن أن تستأصل الاحتقار، لاسيما عندما لا يكون مبنياً سوى على الفروقات في آداب المائدة، وعلى الاختلافات في بنية أجفان العين.” (ص. 74)

يتخذ القاضي الموقف الأخلاقي مرةً بعد الأخرى، ويرفض الحملات العنيفة التي يشنها الكولونيل جول وما تخلفها من مصابين ومعطوبين وقتلى. ولكنه يوضع أمام امتحان كبيرة حينما يلتقي امرأة بربرية خلفتها إحدى تلك الحملات تائهة في شوارع المدينة تستجدي عطف المارة أو تتسول بمعنى أصح.

بعد لقائها استسلم القاضي إلى شهوة غريبة هي أقرب ما هي للفيتشية الجنسية منها للحب أو الانجذاب. يستخدم القانون أولاً في إقناعها أن التسول ممنوع في هذه المدينة، ثم يقترح عليها أن تعمل خادمة في منزله، فتوافق بعد إصراره رغماً عن عميها.

ينغمس القاضي في طقوس لا نهائية من الغسيل والتدليك. طقوس لا تؤدي إلى أي نوع من العلاقات العادية والمتوقعة بين المرأة والرجل سوى في اقترابها من الذروة دون التصاق أو تواصل فعلي.

هكذا استمر القاضي في شبقه المقنن، تاركاً القارئ حائراً في التفسير الحقيقي لأفعاله. هل يعجز عن اشتهائها كأنثى سوية؛ لأنها بربرية ومختلفة عنه عرقياً وثقافياً أم تراه شعوره بالذنب اتجاهها هو ما يمنعه من ممارسة علاقة طبيعية معها؟

أميل إلى التفسير الثاني. فشخصية القاضي كما صورها كويتزي، ليست عنصرية، بل بالعكس، ها هو ذا ينتقد المنظور الدوني للآخر، على الرغم من اختلافه عنه وبدائيته. ويؤكد ذلك ما حدث بينه وبين الفتاة في رحلة العودة، حينما قرر أن يتحدى الجميع، بما في ذلك إمبراطوريته المجيدة، ويعيدها إلى أهلها. ففي تلك الأثناء فقط، قلّ شعوره بتأنيب الضمير، وحصلت العلاقة الكاملة.

ليس من السهل الوصول إلى هذه الخاتمة، إذ يصعب التعاطف مع المستعمر أو المحتل ورؤيته على حقيقته الإنسانية. فعلى الرغم من عمل القاضي لصالح الإمبراطورية وخدمة مستعمرتها، يبقى إنسان صالحاً، أو على الأقل يحاول أن يكون كذلك. فهل نسقط عنه انسانيته؛ لأنه صادف وولد إمبراطورياً؟ وهل بوسعه هو وحده أن يغير نظاماً كاملاً حتى وإن أراد ذلك؟

تنتهي الرواية باعترافات كثيرة للقاضي، منها اعترافه بتمرده، ورغبته في القيام بالخيار الأصوب رغماً عن الإمبراطورية. يقول: “أردت أن أعيش خارج التاريخ. أردت أن أعيش خارج التاريخ الذي فرضته الإمبراطورية على أتباعها، حتى على أتباعها المفقودين. لم أرغب أبداً أن يفرض على البرابرة تاريخ الإمبراطورية.” (ص. 219)

الحكمة من الكتاب:

يسهل التعميم على الشعوب والأشخاص، لما يمنحه من وهم السيطرة المعرفة، ولكن الحقيقة، حقيقة كل شخص على حدة، هي التحدي الكبير. فالقاضي تنطبق عليه كل صفات المستعمر البشعة، بما في ذلك عمله لصالحها في مستعمرة من مستعمراتها البعيدة، ولكن وبعد قراءة الرواية، سيكتشف القارئ أنه كان منصفاً، وأنه قام بدور إيجابي ساهم في تعزيز كفة الخير، ولو بعض الشيء.

اقتباسات من الكتاب:

“الألم حقيقة، وكل ما عدا ذلك خاضع للشك.” (ص. 14)

“أؤمن بالسلام أياً كان الثمن.” (ص. 25)

“إن الفضاء فضاء. والحياة حياة. الشيء نفسه في كل مكان.” (ص. 28)

“لم يعد النوم مغطساً شافياً، أو استعادة للقوى الحيوية، بل أصبح نسياناً فحسب، ومناوشات ليلية مع الهلاك.” (ص. 34)

“أعرف الكثير، وهذه المعرفة تلوث المرء، ولا أمل في الشفاء.” (ص. 34)

“لا شيء أسوء مما نستطيع تخيله.” (ص. 48)

“الموت ليس النهاية، وأننا نعيش قضاء في ذاكرة من نعرف.” (ص. 78)

“بدا من المناسب لرجل لا يعرف ماذا يفعل بامرأة في فراشه، ألا يعرف ماذا سيكتب.” (ص. 83)

“يجب أن يكون العالم ملكاً للمغنين، والراقصين!” (ص. 90)

” لم يخلق الإنسان ليعيش وحيداً!” (ص. 115)

“مشاهدة القسوة تفسد قلوب الأبرياء.” (ص. 153)

“عندما حلمتُ بامرأة حلمتُ بإنسان سيأتي في الليل ويأخذ الوجع معه. حلم طفولي. ولكن ما لم أعرفه كم يخزن الاشتياق نفسه في تجاويف عظام المرء، ثم فجأة دون سابق إنذار يفيض.” (ص. 182)

“في كل لحظة، كل واحد منا، رجلاً كان أم امرأة أم طفلاً، ربما حتى ذلك الحصان العجوز المسكين الذي يدور دولاب الطاحونة، يعرف ما العدل، كل المخلوقات تأتي إلى العالم جالبة معها ذكرى الحق. لكننا نعيش في عالم القوانين، عالم هو أفضل الموجود. ولا شيء بيدنا نفعله حيال ذلك. فنحن مخلوقات ضعيفة، كل ما نستطيع فعله هو أن ندعم القوانين جميعاً، دون أن ندع ذكرى العدالة تخبو.” (ص. 197)

“الجريمة الكامنة فينا، يجب أن نبتلي بها أنفسنا.” (ص. 207)

الختام:

قبل الحديث عن الآخر، أو الغوص في وصفه، وربّما شتمه، يتوجب السؤال، لماذا؟ لماذا نحتاج إلى الآخر؟

تنصح بعض الممارسات الروحانية في التركيز على الداخل فقط، فكل ما يتجلى لنا، كل ما يستوقفنا في الآخر أو الحياة ككل، ليس سوى انعكاس لذواتنا أولاً، ولأسبابنا الداخلية. أي أن الآخر ليس سوى إسقاط لنقصنا أو احتياجنا الداخلي.

أحدث التعليقات