الحكمة (18): «الكتب التي التهمت والدي» لأفونسُو كروش

الصفحة الرئيسية  /  مراجعات  /  خمسون حكمة حول العالم  /  الحكمة (18): «الكتب التي التهمت والدي» لأفونسُو كروش

أقف اليوم في محطتي الثامنة عشرة: البرتغال. رواية استفزني عنوانها وجذبني، فوجدت نفسي أقتنيها دون تفكير، رواية الكاتب والفنّان أفونسُو كروش «الكتب التي التهمت والدي» والتي نشرتها دار مسكيلياني للنشر والتوزيع في 2018 في تونس ونقلها إلى العربية سعيد بنعبد الواحد.

مذ اقتنيتها وأنا أتساءل، هل تلتهمنا الكتب أم نلتهمها؟ يجيب الكاتب عن هذا السؤال في عبارة أكثر من رائعة: “إننا نتشكل من الحكايات، وليس من الجينات ورموزها، ولا حتى اللحم  والجلد والعضلات والمخ. نعم، نحن نتشكل من الحكايات،” (ص. 23) فلسان حالها يقول بأن الكتب – أو الحكايات في هذا السياق – هي التي تلتهمنا، فنصبح على شاكلتها، فنحن في نهاية المطاف مكونون منها ولسنا نتشكل من اللحم والجلد والعضلات والمخ.

يروي أفونسُو كروش قصة المراهق إلياس بونفين، والذي توفي والده قبل ولادته إثر أزمة احتقان موضعي، غير أن إلياس مقتنع أن والده “ذات مساء، مثل عدة مساءات أخرى كثيرة، راح يقرأ كتاباً وضعه تحت مطبوعةٍ خاصة بالضريبة على الدخل حتى لا ينتبه رئيس المصلحة [مديره] إلى أنه لم يكن يشتغل. في ذلك المساء، ولفرط انغماسه في القراءة وقوة تركيزه، ولج داخل الكتاب. تاه في القراءة.” (ص. 11)

أمّا بالنسبة للكتاب الذي التهم والد إلياس، فهو «جزيرة الدكتور مورو»، ومعه بدأت رحلة إلياس في البحث عن والده وسط الشخصيات والحبكات والتي تضمنت أيضاً ثلاث روايات أخرى، يناقشها، يحللها، ويقابل شخصياتها، وهنّ: «دكتور جيكل ومستر هايد» و «الجريمة والعقاب» و «فهرنهايت 451» والأخيرة هي الأقرب إلى رواية «الكتب التي التهمت والدي».

“يروي الكتاب قصة تجري أحداثها في المستقبل، في عالم تُمنع فيه الكتب وتُحرق. إنه كتاب مليء بالورق المحروث. في هذا العالم الذي ابتكره راي برادبوري، لا يقوم رجال الإطفاء بإخماد النار، بل على العكس من ذلك، يقومون بإشعالها لحرق الكتب. لكن في هذا العالم، كما في كل العوالم التي تحترم قدرها، يوجد أشخاص متمردون على النظام، قادرون على القيام بأشياء رائعة من أجل حرية التفكير. فكان هناك، في ذلك المكان، من يخاطر بحياته لا لشيء إلا لأجل متعة القراءة. وأولئك الأشخاص ما انفكوا يحتفظون بالكتب، يخبئونها في بيوتهم.” (ص. 85) غير أن ملكية الكتب تعني نهاية حياتهم، ففضلوا أن يعيشوا مثل المتشردين ويحفظوا الكتب عن ظهر قلب. وبما أن كل واحد منهم كان يحفظ الكتاب من ألفه إلى يائه، أصبحوا كتباً بشرية، وذاب الحد الفاصل بين الكتاب والإنسان، وبذلك عاد كروش إلى النقطة الأولى بأن الإنسان يتكون في الحقيقة من الحكايات فقط، لذا لا فارق بينه وبين الكتب.

لخّص كروش بدهاء وفطنة أمّهات الكتب الكلاسيكية وناقش أفكارها وشخصياتها في رواية عوضاً من أن يقوم بذلك في مقال أو كتاب أكاديمي. أخذ خطوة إلى الأمام في عالم النقد والمراجعة عبر تحريره من بنيته التقليدية، وإيراده في صيغة روائية ممتعة وبعيدة كل البعد عن الرتابة الأكاديمية والكتابة التقريرية.

الحكمة من الكتاب:

يٌمكن تلخيص رواية «الكتب التي التهمت والدي» في كلمة واحدة، وهي: الحكايات. الحكايات هي التي تكوننا، وتصنعنا، وفي الآن ذاته نصنعها ونطورها، ونمتزج معها وبها، ليصنع كل واحد منّا عالماً مختلفاً وفقاً لحكايته. هل حكايته كوميدية؟ أم أنها ضرب من التراجيديا؟ اختياراته هي التي تحدد حكايته وتصنعها، وتصنع مستقبله وما بقي من حياته، فماذا يتبقى من وجودنا سوى الحكايات؟

اقتباسات من الكتاب:

“إن الحياة، في كثير من الأحيان، لا تولي اعتباراً لما نحبّ.” (ص. 9)

“يكفي أن نعرف أن كتاباً جيداً له بالضرورة أكثر من قشرة واحدة، وأنه بناية من عدة طوابق. لأن الطابق الأرضي لا يليق بالأدب. إنه ملائم أكثر لنشاط البناء، وهو مريح لمن لا يحب صعود الأدراج، ونافع لمن لا يقدر على ذلك. أمّا في الأدب، فلا بد من وجود طوابق متراكمة، سلاليم وأدراج، حروف في الأسفل، وحروف في الأعلى.” (ص. 12)

قال “الشاعر والفنان البرتغالي ألمادا نيغريروش: (نولد جميعاً أحراراً، لكنّنا نموت متسمّمين).” (ص. 53)

“إن الإنسان له حواس أخرى غير الحواس الخمس المعروفة (البصر، والشم، والذوق، والسمع، واللمس). ولذلك علينا أن نضيف إليها الوعي الأخلاقي، أي التعرف على الخير والشر في ما نفعله وفي ما نُحس به.” (ص. 53)

“نحن نرغب في المعاناة حين ندرك أننا ارتكبنا شيئاً فظيعاً، وكأننا نود أن ندفع ثمن فعلنا. ومردّ ذلك إلى أن الإنسان كائن معقد تحكمه أشياء في غاية البساطة.” (ص. 69)

“كان سجنه الحقيقي داخل ذهنه. ففي الذهن يكون الناس إمّا أحراراً أو سجناء.” (ص. 77)

“إن الكتب التي تستند ظهورها إلى كتبٍ أخرى فوق الرفوف عبارة عن عوالم متوازية!” (ص. 82)

“نحن حين نرى زهرة وسط لصحراء، نعجب بها، أمّا إذا عشنا محاطين بالأزهار الجميلة، فإننا لا نكترث للأمر، إذ تفقد الأزهار كل معاني تميّزها، وتفرّدها. إنها ضريبة الكثرة، ولتعلم… أنها داء العصر.” (ص. 92)

“لا وجود لأي خير أسمى… إن هو إلا مبرر كي نستطيع القيام بالشر ثم نتمكن من النوم بعد ذلك.” (ص. 93)

“أنتم… أناس هذا العالم الممل الذي تعيشون فيه، تخلطون المضي بذكرياتكم عن الماضي. إن ذكرياتكم تمثل رؤيتكم للماضي، وليس هذا كذاك. إن الذكريات تتغير مع مرور الوقت، فهي ليست وقائع دُونت على ورق ووصفت بكل دقة وصرامة. بل أمور عاطفية تتغير كلما تذكرناها. أي أنها تخضع لعملية تفكير ثانية فتتحول إلى شيء آخر.” (ص. 104)

الختام:

منذ أن تعرّفت عليها، وهي نقطة ضعفي الوحيدة: الكتب. لذا، عندما يكون الكتاب يتحدث عن الكتب كرواية «الكتب التي التهمت والدي»، فلا قدر منع نفسي من أن أُغرم به، وخاصة لو كانت الكتب التي تتحدث هي الأخرى عن الكتب ككتاب «فهرنهايت 451». ساعتها سيكون الكتاب في قائمة كتبي المُفضلة.

أحببت الكتاب جداً، وتعلمت منه الكثير الكثير. أنصح بقراءته الآن فوراً. أجل، اذهب إلى أقرب مكتبة أو موقع لبيع الكتب العربية، وابحث عنه واقتنيه حالاً!

أحدث التعليقات